نذير حمدان
96
حكمة القرآن والحضارة
واستأثرت سورة النساء بالعدد الأكبر من هذه الصفة ، حيث وردت فيها بلفظ ( حكيما ) إحدى عشرة مرة هي فواصل آياتها إضافة إلى آية واحدة بلفظ الحكيم ، وذكرت باللفظ ذاته ( الحكيم ) في سورة التوبة ( 8 ) مرات وفي سورة البقرة ( 7 ) مرات . . . وهكذا تعدد ذكرها في السور المدنية مرتبطة بأهم قضايا ( الوجود ) وبخاصة في حكمة التشريع الغالبة على الموضوعات الأخرى ، بينما تقل أو تندر هذه الصفة الإلهية في كثير من السور المكية بحيث لا تتجاوز الآية الواحدة في كل سورة ، على حين أننا نفتقدها في أكثر من ( 40 ) سورة مكية وبخاصة بعد سورة ( التحريم ) وذلك ليكشف الإنسان أول الأمر حكمة اللّه المبثوثة في الوجود بنفسه وتفكيره ومن ثم يؤكد القرآن هذه الفطرة العقلية . فاللّه حكيم بخلقه بداية واستمرارا . أحكم صنع ما خلق ، وأتقن تدبير ما أوجد ، وأبدع جمالية ما صنع وصوّر . فسرت حكمته في الصغير والكبير والحقير والعظيم ، والشاهد والغائب ، وطلب من الإنسان أن يتملّى هذه الحكمة الرحبة بعقله وعواطفه ، ويتعرف إلى مجالاتها بحواسه وروحانيته . فينفعل بها عقله بالمعرفة والعلم وتتأثر بها عواطفه باستشفاف جماليات المظهر والمخبر ، وتتعمق في إرادته مكامن القوى بالانفعال والفعل ، وهي صفات حضارية متميزة . وفي كلّ تسكينة وتحميدة * أبدا شاهد وفي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنه الواحد - وإضافة للمدركات الحضارية السابقة واللاحقة فإن من أوليات تصور المسلم الحضاري أن اللّه المتصف بالحكمة يستحقّ وحده العبادة ، وأن الإنسان المتصف بالحكمة أحيانا يستحق وحده الخلافة وتأسيس الحضارة ، فالمسلم لا يدين لإله نزق مشبوب متسلط متطاول كما جاء في أساطير اليونان وانحرافات العرب . وبالنظر المتأني في الوجود طبيعة وإنسانا وألوهية فإن حكمة اللّه متناسبة مع ذاته ومتناسبة مع خلقه ، إنها حكمة تامة مطلقة ، ولذا فهي خالية من الخطأ والتعثر والارتكاس ، ومستمرة في كل ما خلق ويخلق . . . وهي إذ تفترق عن حكمة المخلوق الذي يتعرض لخطأ أو يجد من هو أحكم منه أو يكتسبها من خبرة وممارسة ، وقاصرة على الحاضر والواقع فإن حكمة اللّه